محمد المختار ولد أباه
24
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
9 - السماع : لقد انتقى النحاة نموذجا معينا للعربية الفصيحة . ويتمثل هذا النموذج في أعلى درجاته في لغة القرآن الكريم ، الذي هو المثل المعجز ، فهو أرقى حدود البلاغة ؛ واهتم النحاة الأوائل بسماع قراءاته التي وصلتهم على عدة أحرف ؛ فصاروا يعتمدون من هذه الأحرف ما هو أقرب لسماعهم من فصحاء العرب . ثم حصر هؤلاء الفصحاء في الزمان والمكان . فالعرب الذين يستشهد بهم ابتدأ تاريخهم من الجاهلية إلى أواخر القرن الثاني . فآخر من استشهد به سيبويه هو إبراهيم بن هرمة المتوفى سنة 150 ه . أما الذين جاءوا بعده من محدثين ومولدين فقد تركوا لفساد لغتهم ، وانتقال اللغة من صيغتها الفصيحة إلى وضع العامية وهي حقيقة تؤكدها روايات تاريخية تبين أن القرن الثالث للهجرة شاعت فيه لهجات عامية ، ليست معربة . حتى أن الإعراب في الكلام العادي صار مستقبحا . ويقول ثعلب : إن شئت أن تصبح بين الورى * ما بين شتّام ومغتاب فكن عبوسا حين تلقاهم * وكلم الناس بإعراب أما تحديد لغة السماع من ناحية المكان ، فقد جاء حصره في وسط الجزيرة ، بين صحراء السماوة ، وأعالي نجد ، وتهامة ، والحجاز . وبين اللغويون أسباب هذا التحديد وهو الابتعاد عن لغة أطراف القبائل التي خالطتها الفرس في أعلى العراق وعمان ومازجتها الروم في الشام « 1 » . وتحاشى النحاة الأوائل الاستشهاد بالحديث ، وجاء تعليل الذين تابعوهم من متأخري العلماء ، بأن الحديث النبوي قد رواه المحدثون بالمعنى ، مستدلين باختلاف الروايات في الحديث الواحد . وسوف ترى رد ابن مالك على هذا الاعتراض ، مع أنا نعتقد أن هذا التحاشي جاء عن طريق الصدفة ، إذ سنرى أن
--> ( 1 ) السيوطي : الاقتراح ، ص 19 ، والمزهر ، ص 128 .